رقصة الأساطيل ولعبة "الاشارات الاستراتيجية" سنتفاجأ ذات صباح قريب أن نسمع ان ثمة أسطولا روسياً قد وصل هو أيضاً إلى "المياه الدولية" في عرض البحر المتوسط المواجه للبنان وفلسطين و... سوريا، طبعاً، لأن للأسطول الروسي قاعدة ثابتة منذ الأيام السوفياتية على شواطئها. وخلافاً لما كان الحال مطلع الثمانينات من القرن الماضي، لن يرفع هذا الأسطول، المحقق للمرة الثانية، حلم القيصر بطرس الأكبر بدخول المياه الدافئة – بعدما حققها خلفاء ستالين، أصدقاء واعداء، المرة الماضية... في ما ذهب مثلا في التاريخ الحديث لمظاهر "الحرب الباردة" في مياه دافئة، التي تمنع كل حرب بما فيها تلك التي جاءت باسمها ! ومرة أخرى لن يرفع الأسطول الروسي بيارق الحرب... فقط رحلة طبيعية لاثبات حق وحرية ولوج مياه المتوسط، كما الخليج، وكما ربما غدا المحيط الهندي و"بحر العرب" على حدوده... المياه كلها صارت سائبة؟ لا. كلا. ولكن يجب ان يدرك الاميركان ان تجوّل حاملات طائراتهم لا يمكن ان يستمر في "الخليج العربي" وضواحيه الفارسية غير آبه بطلعات الطيران الإيراني التي تكاد تبدو، اذا ما استمرت الحال هكذا ولا من يتحرك، وكأنها مجرد استكشاف يستثبت فينتهي به الأمر الى تثبيت واقع يصير قبوله بمثابة الاعتراف بالحق ! • • • ولعل "نزهة" الاسطول الروسي في المياه الخليجية كانت ملحقا لا اكثر بالعرض الستراتيجي الغربي في دول شرق أوروبا عندما استعدوا لنشر "الدرع الصاروخية" ("الدفاعية"! ولكن ممن؟) فهددت موسكو برد يتخذ اشكالاً دفاعية كذلك، من غير أن توضح "أين"... وتستمر "المنازلة" في بلاغات تنتهي الى "لا حرب ولا سلم"! واطمئنان وترقب للعرض ولعل العرض "الخليجي" وكأنه بعض الرد او اول مشاهده... فتجيء زيارة "يو اس اس كول" وكأنها "الرد على الرد"، مجلببة بإبهام كان مقصودا، عززه الرئيس السنيورة من حيث لم يكن يدري ! غالب الظن، ان لعبة "تبادل الاشارات الستراتيجية" هذه ستستمر، وكأنها تتقيد بوقع كوريغرافي لرقصة "باليه" (حتى لا نقول دبكة شرقية – بلقانية – روسية) تستمر حتى تتبيّن موسكو مع أي واشنطن ستتعامل بعد الانتخابات الرئاسية، وهل الرئيس الجديد ينوي تصعيد حرب العراق، مجازفاً باشتعال نار مشرقية تلتهب تدريجاً، فتصير العودة الى "الحرب الباردة" أمراً محتوماً، أم يأتي الرئيس الاميركي المفاجأة، فيلملم تركة "البوشَين" (الآب والابن، والروح القدس المجهول باقي الهوية، ولعله إسرائيل!!!) وتنكفئ حاملات الطائرات او يتعزز انتشار الأسطول السادس في المتوسط من دون انتظار من يستنجد به شأن الرئيس شمعون (عام 1958). وبديهي ان يقابل الانتظار المسكوبي للرئاسيات الاميركية ترقّب أميركي لـ"طبائع استبداد" العهد "البوتيني" الثاني في الامبراطورية الروسية غير المعلنة والحبلى بالمفاجآت، الا انها كذلك منفتحة لكل العروض... فهل من عروض؟ ومن أين؟ وبأية دول وأنظمة – وشعوب تبازر "العظام"؟... وماذا عن القدرات الاوروبية المتحركة تأهباً لدخول البازارات؟ وماذا عن توجهات الاسلام السياسي، هنا وهناك وهنالك؟... في العالم العربي المتفتت، وشمال افريقيا وافريقيا السوداء؟ ثم عند الاقطاب الآسيوية الثلاثة: طهران وحلمها الفارسي؟ وأنقرة وحلمها العثماني وهمومها الكردية؟ وباكستان وزادها الافغاني وإرثها الارهابي و"همومها" الديمقراطية... فضلا عن الهند الاعجوبية التقدّم والتي قد "تضع على الطاولة" يوماً قريباً كون شعبها الاسلامي اكبر عدداً من الباكستانيين وأرقى حضارة وانفتاحاً وأسرع تقدماً؟ • • • سيأتي الزمن الذي يبدأ العرب يتحسّرون فيه على ياسر عرفات الذي كان قد جعل القضية الفلسطينية قضية عالمية أولية برموزها وفاعلية هذه الرموز الكونية، بدءاً بحركات التحرير والعالم الثالث ودول عدم الانحياز المنتشرة في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية وصولا الى بلدان اوروبا فقدنا بعض اولوية اهتمامها بنا، وتحسسه العربي، وانتمائه الفلسطيني... وكان قد صار الموقف العربي هكذا أحد مراجع الاستقطاب الدولي الالزامية... فأيننا الآن؟ فلسطين صارت، بعد حمامات الدم الغزاوية، مجرد قضية "انسانية" تمنع الدعاية الاسرائيلية، وتواطؤ اميركا، الرأي العام العالمي من التزام ادانتها ولو الى حد التضامن مع العرب "المساكين"!... ولكن، مع من يقدر العرب على التضامن، كموقف سياسي يلتزمونه غداً في القمة العربية، وفي دمشق بالذات؟ السيناريو الارجح للقمة العربية مع تجاهل غياب لبنان، وحتى الغياب السعودي اذا حصل، هو "التشكّي" الطوباوي من الموقف السوري من الانتخابات الرئاسية اللبنانية وكل ما سبقها وما يرافقها وما يمنع إجراءها... إلا إذا حلّت على الرئيسين البري والسنيورة "نعمة" إلهية تجعلهما يتجاوزان ما كان يفرّق بينهما من نزاعات شكلية ويتفقان على اقتحام القمة معا، وبهذا وذاك من الوزراء بدعوة او من دون دعوة، ويطرحون معاً موقفاً عربياً شاملاً لكل القضايا، من ضرورة عودة الوئام العربي، مع تنازل لبنان عن "شرف" كونه حجر عثرة في سبيل ذلك، ثم مطالبة العرب بموقف حاسم مما يحدث في غزة، ولو أدى ذلك الى إحراج بعض كبار العرب!!! شرط موضوعية هذا الموقف وجواز حصوله على الاجماع هو إدانته كل الافرقاء الفلسطينيين لوقوعهم في الفخ الاسرائيلي، بدل الإفادة من الأزمة التي تمزّق الجيش والمجتمع الاسرائيليين لاحراجهم الى حد فرض قرار دولي بوقف نار فوري مع ارسال قوات طوارئ الى غزة لا تتعثر بالبحث عن طريقة تحديد سلطة هذه القوات وصلاحياتها ضمن الفصل السادس المكرسح للقوات.