أميركا والعجز الثلاثي
توماس فريدمان - نيويورك تايمز 22/5/2008 على الرغم من الجدل الكثير، الذي سمعناه في سياق الانتخابات التمهيدية الحالية في الولايات المتحدة، حول ماهية الدول المعادية التي يجب على الرئيس الأميركي المقبل العمل من أجل رسم الخطط للحديث معها، فإن الحقيقة التي قد يكتشفها هذا الرئيس هي وجود عدد قليل للغاية من الدول التي تنتظر اتصالنا بها من أجل إجراء محادثات معها. والحقيقة أنه يصعب علينا، تذكر فترة من فترات التاريخ حدث فيها كل هذا الكم من التحولات في وقت واحد، دون أن يكون سوى القليل منها في صالح الولايات المتحدة.
دعوني أبدأ بأهم تلك التحولات وأكثرها عمقاً: إنني أزداد قناعة كل يوم، بأن أكبر فشل واجهته السياسة الخارجية، في عهد هذه الإدارة، ليس الفشل في إدارة العراق- على الرغم من أبعاده الكارثية- وإنما هو فشل آخر ذو تداعيات واسعة النطاق على موازين القوى الحالية، وأقصد به فشل الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر، في وضع سياسة فعالة للطاقة.
والأمر الذي يصيبني بالحيرة هو تفضيل الرئيس بوش لزيارة السعودية مرتين خلال أربعة شهور، من أجل مناشدتها تخفيض أسعار النفط، بدلاً من قيامه بمطالبة الأميركيين بقطع 55 ميلاً في الساعة، وشراء السيارات التي تتميز بالكفاءة في استخدام الوقود، وحثهم على القبول بضريبة كربون أو ضريبة بنزين، يمكن أن تساعدنا على التحرر مما يطلق عليه "الإدمان على النفط".
وفشل بوش في التعبئة العامة لأقوى أداة إبداعية في العالم- الاقتصاد الأميركي- من أجل إنتاج بديل عملي للنفط، ساعد على توفير الظروف الملائمة لصعود طائفة من الدول البترو- سلطوية بدءاً من روسيا إلى فنزويلا إلى إيران، وهي دول تشرع في الوقت الراهن في إعادة صياغة السياسات العالمية وفقاً لرؤيتها.
وإذا ما استمر هذا التحول الهائل للثروة إلى البلاد البترو- سلطوية، فإن القوة ستكون هي التالية حتماً. وفقا للشهادة التي أدلى بها "جال لوفت" خبير الطاقة أمام الكونجرس مؤخراً، فإن ارتفاع سعر برميل النفط إلى 200 دولار سيعني أن "أوبك" يمكن أن تشتري"بنك أميركا" بحصيلة شهر واحد من الإنتاج، وشركة" أبل" للكمبيوتر بحصيلة أسبوع، و"جنرال موتورز" بحصيلة ثلاثة أيام فقط!.
ليس هذا هو كل شيء، فهناك كتابان مهمان نشرا مؤخراً يصفان تحولات أخرى كبيرة للقوة: الأول، هو الكتاب الموسوم"عالم ما بعد أميركا" لمؤلفه فريد زكريا، رئيس تحرير"نيوزويك إنترناشيونال". والثاني، هو كتاب"الطبقة السوبر" لمؤلفه ديفيد روثكوف الأستاذ الزائر بمؤسسة كارنيجي.
الطرح المركزي في كتاب فريد زكريا يتمحور حول فكرة مؤداها أنه على الرغم من احتفاظ أميركا بالعديد من المزايا الفريدة، فإن" صعود الآخرين" أي الصين والهند والبرازيل، والدول المماثلة بل وحتى بعض اللاعبين الدوليين، الذين يعملون خارج إطار الدولة، يؤدي إلى تخليق عالم، تصعد فيه العديد من الدول بشكل بطيء ومطرد في آن إلى مستوى أميركا من حيث النفوذ الاقتصادي، والتفوق في جميع المجالات.
ويواصل زكريا طرحه فيقول إن أميركا" قد اعتمدت طويلاً على مواردها الطبيعية الهائلة، وجامعاتها المتطورة، وأسواقها الحرة وثروتها المتنوعة من المواهب البشرية، وافترضت أن تلك الموارد ستعوض عن انخفاض معدلات ادخارها، وعدم امتلاكها لنظام رعاية صحية، أو خطة إستراتيجية لتحسين قدرتها التنافسية".
ويرى زكريا"أنه لم يكن هناك بأس في ذلك في عالم لم تكن فيه الدول الأخرى تنجز" ولكن تلك الدول تركض في الوقت الراهن بأقصى سرعة، وتعمل بجد، وتدخر كثيراً، وتفكر للمدى الطويل. وأنها قد "استفادت من دروسنا وتلعب في الوقت الراهن لعبتنا"، وإننا إذا لم نقم بإصلاح نظامنا السياسي، ونبدأ في التفكير على نحو استراتيجي حول الكيفية التي يجب أن نقوم بها بتحسين قدرتنا التنافسية، فإننا "سنعرض مركزنا المتميز والفريد في العالم لخطر التآكل في الوقت نفسه،الذي ستواصل فيه الدول الأخرى صعودها".
أما روثكوف، فيذهب في كتابه المشار إليه أن نفوذ الدول- الأمم يتضاءل في الوقت الراهن في طائفة من أكثر القضايا أهمية في زمننا، وأن النظام الخاص الذي تستخدمه تلك الدول في معالجة وتناول الموضوعات العالمية، قد وصل إلى درجة من عدم الفعالية لم يسبق له أن وصل إليها من قبل، وهو ما يؤدي إلى نشوء حالة من فراغ القوة، الذي يتم ملئه من قبل مجموعة صغيرة من اللاعبين المنتمين إلى ما يعرف بـ"الطبقة السوبر" التي تتكون من طبقة جديدة من النخب العالمية المهيأة بشكل أفضل للعمل على الساحة العالمية، والتأثير على المحصلات العالمية أيضاً بشكل يفوق- من حيث القدرة- معظم قادة الدول.
ويضيف روثكوف"بعض أفراد هذه النخبة الجديدة ينتمون إلى عالم المال والأعمال، والبعض منهم أعضاء في نخب تحيط بها الغموض -مجرمون وإرهابيون- وبعضهم من أصحاب وسائل الإعلام الجديدة أو التقليدية، وبعضهم زعماء دينيون، وبعضهم مسؤولون كبار في حكومات لديها القدرة على نشر نفوذها وإبرازه عالمياً".
والرئيس الأميركي الجديد سيجد نفسه ملزماً بالتعامل مع هذه الدول الجديدة الصاعدة، وهؤلاء الأفراد النافذون، وتلك الشبكات المتشعبة، وهو مقيد في نفس الوقت بتلك القيود التي خلفتها له سنوات بوش في البيت الأبيض.
لنطلق على ذلك مسمى"العجز الثلاثي" كما يقول روثكوف. وهذا العجز ينقسم حسب رؤيته إلى"عجز مالي، وعجز تجاري يدفعنا إلى الاقتراض من منافسينا، إلى الدرجة التي تعرضنا للانكشاف، وعجز جيوبوليتيكي هو في الحقيقة من مواريث العراق".
والقاعدة الأولى للخروج من الحفر عندما يجد المرء أو-الرئيس- نفسه في واحدة منها،هو أن يتوقف عن المزيد من الحفر أما عندما يجد نفسه في ثلاث حفر في وقت واحد، فليس أمامه في هذه الحالة سوى إحضار الكثير من المعاول.