هل ما يزال يترتب علينا الاستمرار في اعتبار إسرائيل صديقا خاصا؟
كان يوم الأربعاء الماضي هو ذكرى اليوم الذي أعلن فيه عن قيام إسرائيل قبل 60 سنة كدولة جديدة بواسطة الأمم المتحدة. وكان الخميس هو اليوم الذي أحيا فيه الفلسطينيون ما يعتبرونه "نكبتهم".. وقام الرئيس بوش بزيارة "القدس" حيث شارك في الاحتفالات الإسرائيلية، ولم يحضر في اليوم التالي أي مناسبة فلسطينية نظمت في ذكرى النكبة.
وهذا يقول كل ما يمكن قوله عن تلك العقود الستة، حيث تحتفل إسرائيل بينما يصل بوش ليتحدث عن إحلال سلام يقول كل مواطنيها تقريباً إنهم يريدونه، والذي لا يعتقد أحد، على المستوى الحقيقي، بإمكانية تحققه واقعياً.. أما الفلسطينيون فينتحبون، شاعرين بالخديعة من الوعود بتقديم مساعدات اقتصادية، وبحلم إقامة دولة منفصلة لهم، مع علمهم الأكيد بأن الأمور عندما تأتي إلى ذلك، فإن الغرب سيصطف دائماً إلى جانب إسرائيل في أي نزاع جوهري مع العرب.
من جهته، كان ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي قد قال خلال حفل استقبال في واشنطن في الأسبوع الماضي لمناسبة الذكرى السنوية الستين لولادة إسرائيل: "لم يسبق أن كان لإسرائيل صديق في البيت الأبيض أفضل من الرئيس الأميركي الثالث والأربعين". وهو ما لا يزيد شيئاً على الحقيقة ذاتها. فخلال السنوات الخمس الماضية، وتحديداً منذ 11/9، قبل الرئيس الأميركي ونائبه كلية بوجهات نظر إسرائيل فيما يتعلق باحتياجاتها الأمنية وإصرارها على الاحتفاظ بحدودها التوسعية، ورفضها القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين.
"لا يوجد صديق أفضل" كانت أيضاً هي ما قاله الساسة الإسرائيليون عن توني بلير عندما تنحى رئيس الوزراء البريطاني السابق عن منصبه في السنة الماضية.. وهذا الكلام صحيح أيضاً عندما تنظر في دعم بلير لإسرائيل، خاصة فيما تعلق بغزو لبنان (انظر مذكرات اللورد ليفني الأخيرة). ففوق وأمام رغبته في دعم الولايات المتحدة، كان بلير يؤمن بذلك الغزو.
وفي الغضون، يبقى السؤال الذي لا يحب أحد أن يثيره، ولكنه يفرض ذاته في هذا الوقت: وهو هل ثمة من تبرير بعد الآن لكل هذا الالتزام نحو مصالح إسرائيل. يجهر الإسرائيليون بالقول، على نحو مفهوم تماماً، بأنهم باتوا يشعرون بالغثيان والسأم من الغرباء الذين يطلبون منهم أن يفعلوا هذا الشيء أو ذاك مع الفلسطينيين في وقت لا ينطوي فيه منتقدوهم على أقل فهم لمعنى أن تعيش في بلد واقع تحت حصار مجموعة من الأعداء. وهم محقون في ذلك. ففي نهاية المطاف، يعود الأمر للإسرائيليين أنفسهم أمر مناقشة وتقرير أين سيقفون في الشرق لأوسط خلال 20 أو 50 سنة.
لكن من حق العالم الخارجي، وعلى قدم المساواة، أن يسأل نفسه، وبعد ثلاثة أجيال، عما إذا كان يتوجب اعتبار إسرائيل بعد "صديقاً خاصاً" (كما يصفها الرئيس بوش)، أو كحليف يجب على الغرب أن يعامله كما يعامل أي حليف آخر في المنطقة -مصر والمملكة العربية السعودية والأردن أو أي بلد آخر- أي كبلد من بلدان الشرق الأوسط له مصلحته الخاصة، ومستواه المحدد في الفساد، وانقساماته الداخلية، وأجندته الخاصة، وتهديداته الخاصة الموجهة إلى الاستقرار الإقليمي.
إن هذا القول لا يعني أنه يجب تركها دون دعم وترك استقلالها دون ضمان. ذلك أن الغرب كان القابلة التي أشرفت على ولادتها، وكنا طرفاً في الأمم المتحدة التي جلبتها إلى الوجود، ومن الطبيعي أن نضمن بقاءها وديمومتها.
لكن ضمان الأمن ليس هو نفس الشيء مثل النظر إلى إسرائيل بالطريقة التي ينظر إليها بها الرئيس بوش، باعتبارها صديقاً قيّماً على نحو فريد، وبوصفها "ديمقراطية" استثنائية، والتي تعتبر مصالحها، في جوهرها، نفس مصالحنا نحن في سياق معركة كونية تجري بين الخير والشر.. ومع أن بإمكانك أن تعتقد بذلك، إلا أن لك أيضاً أن تقول بنفس المقادر إن "استثنائية" إسرائيل تعتبر الحاجز الأكبر لما ينبغي لنا أن نكون بصدد السعي إلى تحقيقه في الشرق الأوسط، فيما يتعلق بتشجيع الديمقراطية وبضمان الاستقرار.. وذلك يجبرنا، ويجبر الولايات المتحدة خصوصاً، على دعم الأنظمة السلطوية وعلى الانخراط في "حرب" ضد "الأصولية" التي تكبت المشاعر الشعبية، وتشجع العنف، وتخلق استقطابات زائفة بين "ما هو خير" و"ما هو شرير".
في هذا الوقت، يناسب ويواتي إسرائيل، باعتبارها القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، أن تحشد الدعم ضد إيران كمنافس محتمل.. وبنفس الطريقة، يناسب إسرائيل في أعقاب الإطاحة بصدام حسين أن تنصب طهران (يجب الاعتراف بأنه دور يرغب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في لعبه بكل ما في الكلمة من معنى) باعتبارها عدواً أكبر من صدام نفسه لبقاء إسرائيل. ويمكن لإسرائيل أن تضمن لنفسها، مثل داود، أصدقاء أكثر مما لجوليات.
وبطريقة مختلفة، يناسب الحكومة الإسرائيلية (مع أن ذلك لا يعني الشعب الإسرائيلي بالضرورة) أن ترى الفلسطينيين في حالة انقسام، وأن ترى غزة في حالة عوز خطيرة، ورئيس الوزراء الفلسطيني وقد أصبح معتمداً على نحو مثير للشفقة على أي إيماءة من إسداء المعروف يكون العالم الخارجي وإسرائيل مستعدين لعرضها. ولعل آخر شيء ترغب فيه حكومة ضعيفة مثل حكومة أولمرت هو وجود دولة فلسطينية قوية وقابلة للحياة إلى جوار إسرائيل، وهو ما يفسر السبب في قنوط الكثيرين جداً من الفلسطينيين من هذه الممارسة برمتها.
على أنه ليس من الضروري أن تكون مصالح العالم الخارجي ومصالح إسرائيل هي الشيء نفسه. ففي إطار الاهتمامات الأوسع بالاستقرار الإقليمي - مستقبل العراق وأفغانستان، ولجم الانتشار النووي- نريد إيران أن تكون حليفاً.. وعلى المستوى الأكثر أساسية المتعلق بمصلحتنا الذاتية في النفط والأسواق، فإنه يجب علينا السعي إلى تكريس علاقات أفضل مع العرب، وليس علاقات أسوأ.. وفي المستويات الأعلى للخطاب السياسي، نجد أنفسنا ونحن نستطيع انتقاد الصينيين بالكاد بسبب قضية التيبت، بينما نتجاهل ممارسات إسرائيل كسلطة احتلال لفلسطين، أو انتقاد إيران لسعيها للحصول على قنبلة نووية بينما لا نشير ببساطة بأي إشارة إلى حيازة إسرائيل لهذه القنبلة منذ أمد طويل.
إن مأساة الشرق الأوسط هي أننا من خلال دعم الحكومة الإسرائيلية على نحو يخلو كلية من الانتقاد على هذا النحو، فإننا إنما نجعل من الأكثر صعوبة تحقيق ما يتوق إليه معظم مواطنيها أنفسهم - السلام والأمن.