

لم يحدث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إن وجد النظام السياسي الأميركي نفسه إمام معضلة عسكرية مماثلة باتت تهدد دوره المركزي في صياغة النظام العالمي. خمس سنوات من الحروب على جبهات مختلفة، والمعارك المطولة مع «الإرهاب»، أنهكت أقوى جيوش العالم، واستنزفت معنوياته وكوادره المادية والبشرية، لتضع الإمبراطورية العسكرية الأميركية أمام احد اخطر تحدياتها.
لقد اوجد انهيار الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة أمام فرصة غير مسبوقة لإحكام سيطرتها على السياسات العالمية. كان «النظام الاستراتيجي» الذي طرحه بول ولفويتز في العام 1992 بالمشاركة مع ديك تشيني وآخرين من أمثال زلماي خليل زاد وريتشارد بيرل، مفتاح هذه الهيمنة السياسية: قيادة أحادية للعالم تمنع بروز أي قوة سياسية أو عسكرية منافسة، عبر طريق واحد، التوسع العسكري. أصبحت الولايات المتحدة تملك أكثر من 700 قاعدة عسكرية معلنة حول العالم. وانتشر مئات الآلاف من جنودها في كل زوايا الأرض. خاضت الحروب في الخليج وأوروبا وآسيا وأفريقيا على مدى أعوام. وبعد هجمات 11 أيلول, 2001 صدر قرار غزو أفغانستان والعراق ومحاربة «الإرهاب»: جبهات ثلاث لم تخمد النار فيها، فككت الجيش، مزقته، وأصبح معها مجرد التفكير بخوض حرب جديدة «مغامرة غير محسوبة».
وفي خضم الخسائر البشرية المرتفعة، والمادية الخيالية، وعجز الإدارة الأميركية الحالية عن التحكم بمصير الحروب التي أشعلتها، أصبح الداخل الأميركي يتطلع إلى الانتخابات الرئاسية الحالية، ورجل البيت الأبيض الجديد الذي قد يحمل في جيبه مفتاح الحل: سحب القوات من العراق.. أو التوافق مع الحلفاء على إستراتيجية جديدة «اقل تصادمية» في الحرب على«الإرهاب».. أو حتى محاورة «الأعداء».
بعض الأميركيين اختار مساراً آخر للحل، قد يكون «ضرباً من الخيال»، إلا انه يبقى مثيراً للاهتمام. ففي وثائقي حمل عنوان «العالم من دون الولايات المتحدة»، طرح الكاتبان ميتش أندرسون ونيل فرغسون نظرية غير مسبوقة: ماذا لو قرر الرئيس المقبل سحب القوات الأميركية من أنحاء العالم؟ ماذا لو قررت الولايات المتحدة أن تصبح «دولاً عادية»؟ وما هي النتائج التي ستترتب على واشنطن.. وعلى العالم؟
الشرق الأوسط مركز التحولات.
يقول كبير المحللين حول شؤون الشرق الأوسط في «مجموعة الأزمات الدولية»، معين رباني لـ«السفير»، إن تحول الولايات المتحدة إلى «دولة عادية»، قد لا يخلف «نتائج سلبية مباشرة على العالم إذ إن هذا الفراغ سرعان ما ستملؤه قوى كبرى مثلما حدث مع الولايات المتحدة حين خلفت بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الثانية». ويضيف «بكلمات أخرى، اعتقد أن القوانين ذاتها ستستمر، لكن بلاعبين مختلفين».
غير أن رباني يعتبر أن الولايات المتحدة قد تكون احد اكبر الخاسرين من هذا الانسحاب العسكري على صعيد السياسة الخارجية. ويشرح ذلك بالقول أن واشنطن «ستخسر قدرتها على إملاء سياساتها على الدول الأخرى، على اعتبار أن هذا الانسحاب ستترتب عليه سيطرة اقتصادية اضعف وقوة تأثير اوهن»، وخاصة في الشرق الأوسط.
فمن القواعد الأميركية في قطر والبحرين، مروراً بالسعودية والكويت وسلطنة عمان والإمارات، ووصولاً إلى تركيا، أصبح الشرق الأوسط مركز انطلاق رئيسي للعمليات العسكرية الأميركية في العالم. وباتت المنطقة أشبه بسجن تحرسه البوارج وحاملات الطائرات والمقاتلات والآليات الأميركية، التي تمارس نفوذاً يتخطى العامل العسكري ليترجم على الأرض بتأثير سياسي غير محدود.
وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، تصاعدت حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأصبحت تتمثل بصراع نفوذ إقليمي بين مشروعين، يغذيه العامل العسكري. ولعل الأزمة اللبنانية احد أهم الأمثلة على أهمية الدور العسكري في مساندة التأثير السياسي، ذلك عندما قررت الإدارة الأميركية أن تزور بوارجها شواطئ لبنان «حماية لمصالحها» مما يطلق عليه البعض «المشروع الإيراني السوري».
ويرى رباني أن «انسحاب القوات الأميركية وتفكيك قواعدها في المنطقة، سيصبّ في مصلحة دول تحاول واشنطن تهميشها، وعلى رأسها إيران»، التي ستكتسب مساحة نفوذ إقليمي اكبر، فيما «ستخسر دول أخرى»، وعلى رأسها تلك المتحالفة مع الولايات المتحدة، مثل السعودية ومصر.
بدوره، يعتبر خبير الشؤون العسكرية الأميركية ونائب مدير الدراسات في «معهد الأمن الأميركي الجديد» جيمس ميلر، أن الانسحاب العسكري الأميركي من العالم «سيضعف حلفاءنا ويقوي أعداءنا». غير انه يضع هذا التحول في خانة أكثر سلبية على الصعيد الدولي إذ يقول لـ«السفير»، أن «دولا معدودة حول العالم ستستفيد من أي انسحاب أميركي».
ويشير ميلر إلى أن تفكيك القواعد الأميركية في أنحاء العالم «سيكون بمثابة هزيمة إستراتيجية للولايات المتحدة»، على اعتبار أن نفوذها السياسي يستند إلى حجم تواجدها العسكري على الأرض. كما انه يرى أن تحول الولايات المتحدة إلى «دولة عادية» «سيسمح لتنظيم القاعدة حول العالم والمنظمات المرتبطة به بالترويج لأفكاره بشكل أوسع».
رغم أن الانسحاب الأميركي يبقى أشبه «بحلم»، يتوافق رباني وميلر على انه لا يمكن أبداً أن يقرر أي رئيس أميركي مقبل سحب القوات الأميركية من أنحاء العالم وتفكيك قواعدها. لكن رباني يعتبر أنه « إذا نجح هذا المرشح الداعي إلى تحول الولايات المتحدة لدولة عادية وإنهاء وضعها الامبريالي، فانه قد يوصف بالمجنون وينفى.. أو يغتال».
هل تعلم؟
ـ عدد الرسائل التي تحمل توقيع «الأمن القومي» ارتفع من 8500 في العام ,2000 إلى 47 ألفاً في العام ,2005 وتتضمّن هذه المعلومات تقارير تم استقاؤها من عمليات التنصت من دون إذن قضائي.
ـ أكثر من 60 في المئة من المؤرخين الأميركيين وصفوا الرئيس جورج بوش بأنه «أسوأ رئيس في تاريخ أميركا... على الإطلاق».
ـ خاضت الولايات المتحدة نحو 35 حرباً، 16 منها شنها رؤساء ينتمون للحزب الديمقراطي، و15 منها شنها رؤساء جمهوريون.
ـ كلفة الحرب على العراق، التي دخلت عامها السادس، تأتي في المرتبة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية.
ـ تكاليف الحرب على أفغانستان تجاوزت تكاليف حرب فيتنام التي دامت 12 عاماً، فيما بلغت حوالي ضعفي ما انفق على الحرب مع كوريا.
ـ تكاليف الحرب على العراق (ثلاثة تريليونات دولار) تعدت تكاليف حرب الخليج الأولى بعشرة أضعاف، فيما هي أكثر بثلاثة أضعاف من تكاليف الحرب على فيتنام، وبنسبة الضعفين عن الحرب العالمية الأولى، لكنها تأتي بعد الحرب العالمية الثانية في المرتبة من حيث الإنفاق (خمسة تريليونات دولار).
ـ مدة الحرب على العراق تجاوزت مدة مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية (1347 يوماً) بـ508 أيام، حتى اليوم (16 نيسان 2008).
أرقـام وحقائـق.
النظام: جمهوري فدرالي شعارها: نثق في الله العاصمة: واشنطن
المساحة: نحو تسعة ملايين و827 كيلومتر مربع
الثروات الطبيعية: النفط والغاز والنحاس والفحم والألمنيوم والذهب والفضة واليورانيوم والفوسفات.
عدد السكان: 303 ملايين و818 ألف نسمة
الأعراق: نحو 82 في المئة من البيض، 13 في المئة سود، 4 في المئة آسيويون. اللاتينيون يصنفون بحسب لون بشرتهم.
الأديان: 51.3 في المئة بروتستانت، نحو 24 في المئة كاثوليك، 1.7 في المئة مورمون، 1.6 في المئة من المذاهب المسيحية الأخرى، 1.7 في المئة يهود، 0.7 في المئة بوذيون، 0.6 في المئة مسلمون.
اللغة: الإنكليزية الأمية: 1 في المئة.
تاريخ الاستقلال: عن بريطانيا، 4 تموز 1776.
البطالة: 4.6 في المئة(تقديرات 2007)
تحت خط الفقر: 12 في المئة (تقديرات 2004)
الناتج القومي: 13.8 تريليون دولار (تقديرات 2007).
إنتاج النفط: 8.3 مليون برميل يومياً (تقديرات 2005).
احتياطات مؤكدة من النفط: 21.76 مليار برميل (تقديرات 2006).
إنتاج الغاز: 490.8 مليار متر مكعب (تقديرات 2005).
احتياطات مؤكدة من الغــاز: 5.55 تريليون متر مكــعب (تقديرات 2006).
شركـات التسلـح وتحريـك الاقتصـاد.

هيمنت صناعة الأسلحة منذ الحرب العالمية الثانية على السياسة الخارجية الأميركية، حتى باتت الصناعات العسكرية المحرك الرئيسي لاقتصادها، وأداة للتحكم بسياسات الدول المستوردة.
وتعتبر ميزانية القوات العسكرية الأميركية أضخم الميزانيات العسكرية لجميع دول العالم، بينما تصدّر شركات الأسلحة الأميركية معظم ما تتسلح به غالبية الدول.
ويرى العديد من المحللين أنّ الصناعات العسكرية الأميركية تشكل طوق نجاة للاقتصاد الأميركي، فبهذه الصناعة وحدها يمكنه الخروج من شبح الركود واحتواء التداعيات السلبية لتدنى قيمة الدولار. ويشير هؤلاء إلى أنّ الحروب التي تشنها أميركا، تأتي عادة بعد حالة ركود وأزمة اقتصادية تكون الولايات المتحدة الأميركية قد مرت بها.
وبحسب تقرير للكونغرس، نشر مؤخراً، فإنّ الولايات المتحدة لا تزال تحتل المركز الأول عالمياً في تجارة الأسلحة، بحصولها على 42 في المئة من حجم هذه السوق.
وتقدم أرقام ميزانية الولايات المتحدة للعام الحالي صورة واضحة عن مدى استفادة شركات التسلح من السياسات التوسعية للإدارة الأميركية. فقد بلغ حجم النفقات على الأسلحة والمعدات العسكرية في ميزانية وزارة الدفاع «البنتاغون» للعام 2008 حوالي 481 مليار دولار، توزعت بين 128.6 مليار دولار للقوات البرية، و7,110 مليارات للقوات الجوية، و140 ملياراً للقوات البحرية، و102 مليارات لقوات المارينز.
ويوضح تقرير الكونغرس أنّ المبيعات الأميركية من الأسلحة للدول المتطورة والنامية بلغت 16.9 مليار دولار في العام ,2006 مشيراً إلى أنّ حربي العراق وأفغانستان أدتا إلى «حمى تسلح» في الدول المجاورة لهذين البلدين.
وبذلك، حققت شركات التسلح أرباحاً هائلة، تعززت بشكل رئيسي منذ الغزو الأميركي للعراق، وهي لا تقتصر على الشركات المنتجة للأسلحة بل تتعداها إلى تلك التي تقدّم الخدمات اللوجستية.
ويوضح الجدول التالي عائدات أهم تلك الشركات بملايين الدولارات منذ الغزو حتى العام 2006.