زيارة رايس... وشراء الوقت!
أمين محمد حطيط - عميد ركن متقاعد
قد يظن مراقب أن رايس "هالها" تأخر تطبيق اتفاق الدوحة من باب تعثر تشكيل الحكومة، أو استشعرت بالغ الألم لاستمرار احتلال إسرائيل مزارع شبعا، فجاءت على عجل إلى لبنان لتعطي دعماً "للديمقراطية اللبنانية الفتية" وتمدها بالأوكسجين الأميركي خوفاً عليها من الاحتضار، ولتطرح ملف المزارع استعجالاً لتحريرها على حد ما يبدو من إلحاح مستهجن يبديه رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان. لكن الباحث عن الحقيقة تصدمه الوقائع ومفردات التاريخ بما فيه من مواقف ما يحمل على التوقف عند الأمور الآتية:
- أبدأ بمزارع شبعا، وانطلاقاً من متابعتي اليومية للأمر منذ العام 2000 حيث كنت رئيساً للجنة التحقق من الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، فان مسألة إثبات لبنانية مزارع شبعا استنفدت كل مستلزماتها، والمزارع لبنانية يقينا من غير شك وقد اعترفت سوريا بلبنانيتها، واقتنعت الأمم المتحدة بهذه اللبنانية لها، وذكر الأمين العام الأمم المتحدة ذلك في تقريره المرفوع إلى مجلس الأمن بتاريخ 22 أيار2000 لكن استجابة لمطلب إسرائيلي بإبقاء المزارع تحت الاحتلال، تذرعت الأمم المتحدة بمسألة الصلاحية العملانية لقوات "الاندوف" على المزارع، وأخرجتها من القرار425 لتدخلها في القرار 242خلافاً للمنطق والقانون والأصول كلها، وقد التقطنا القصد يومها وقلنا أن الأمم المتحدة التي تعرف أن لبنان غير معني بالقرار الأخير، وان القرار 425 لم يوجب التفاوض بين لبنان وإسرائيل لتنسحب الأخيرة من لبنان، وأن الأمم المتحدة اخترعت مسألة الصلاحية العملانية هذه (بإملاء أميركي وتنفيذ من لارسن) لتكون طريقاً لتفاوض يؤدي إلى اعتراف لبنان بإسرائيل بالشكل الذي تريده الأخيرة من غير الاستجابة إلى مطالب لبنان.
- لقد تحفظنا على موقف الأمم المتحدة في العام 2000 وظنت الأخيرة أن لا وزن لتحفظنا فأمعنت بتعنتها، لكن التحفظ ذاك ترجم ميدانياً تمسكاً بالأرض واعتد به حجة تبريرية لسلاح المقاومة الذي يطلبون نزعه، ما جعل كل الفريق الغربي الأميركي الصهيوني يذهل من هذه النتيجة، ذهولا قادهم إلى القرار 1559 ثم دفع البعض في لبنان إلى إنكار لبنانية المزارع حتى يتخلصوا من السلاح الذي قال حملته بأن من وظائفه تحرير المزارع. ولما أثبتنا بدراستنا التي قدمت إلى طاولة الحوار مرة أخرى لبنانية المزارع، واضطر الفريق المنكر لها للرضوخ والاعتراف بلبنانيتها، تفتق ذهن أحدهم عن فكرة مفادها وضع المزارع تحت الوصاية الدولية (وليس إعادتها إلى السيادة اللبنانية) وهو يحلم بأن هذا النقل سيسقط شرعية سلاح المقاومة، ويبدو أن رايس اقتنــعت الآن بهــذه الفكرة التي هي في جوهرها لن تغير الواقع على أرض المزارع، إذ لا يوجد كبير فرق بنظرنا بين أن تكون إسرائيل محتلة للمزارع، أو أن يكون الحلف الأطلسي متواجداً فيها تحت علم الأمم المتحدة، فالمهم أميركيا وإسرائيليا ألا تعود المزارع إلى لبنان الآن حتى تبقى طريقاً للتفاوض للوصول إلى معاهدة سلام بين إسرائيل ولبنان، وهذا ما عبر عنه اليوم بكل صراحة ووضوح أولمرت حيــث قـال: "نتفاوض على المزارع وننسحب مقابل معاهدة سلام مع لبنان".
- إن الغيرة المفاجئة من أميركا على مزارع شبعا، والاهتمام المنقطع النظير الذي يبديه رئيس الحكومة المكلف، هو سلوك غير خفي الخلفية والقصد. لقد أرادت رايس أن تسحب ذريعة احتلال المزارع قبل تشكيل الحكومة حتى لا يكون اضطرار إلى الاعتراف مجدداً بشرعية سلاح المقاومة، وأما أمر الدفاع فيبدو أنها احتاطت له بالتمسك بمن يكفيها مؤمنة الأمر في الوزارة تلك، لكن يبقى وجود وزراء لحزب الله يشكلون مع حلفاء لهم في المعارضة الثلث المعطل للمشروع الأميركي، فيبدو أنه لم يلق حتى الآن حلاً فكان القرار بتأخير تشكيل الحكومة لوقت تريده أميركا.
إنها مناورة أميركية جديدة نرى مستقبلها كسابقاتها من المناورات التي حيكت ضد سلاح المقاومة بدءا بالتحالفات المنقلب عليها، مروراً بالحوار الذي فشل في نزع السلاح، وصولاً إلى الحرب التي تحطمت أمواجها على صخور المقاومة الصلبة.
كما فشل كل ذلك ستفشل "المناورة المزارعية" الجديدة ومناورة إعاقة تنفيذ اتفاق الدوحة، والأمر مكشوف لدى كل ذي فطنة يدرك أن من كان عضداً لإسرائيل في عدوانها وتدميرها للبنان، لن يكون عضداً للبنان ومقاومته لتحرير أرضه. وما الغيرة المفاجئة على تحرير المزارع إلا محاولة لإسقاط شرعية سلاح المقاومة تمهيداً لنزعه متناسياً أن شرعية السلاح تجاوزت احتلال الأرض.
وهنا لا بد من التذكير بحقائق باتت يقيناً:
- إن شرعية سلاح المقاومة من باب التحرير تبقى قائمة إلى أن تعود المزارع وكل شبر من الأرض اللبنانية إلى السيادة اللبنانية، ولا قيمة أو اثر لمراحل انتقالية تكون فيها بعض الأرض في يد دولية تحركها أميركا لمصلحة حليفتها إسرائيل.
- إن شرعية سلاح المقاومة من باب الدفاع تبقى قائمة ما قامت إسرائيل ووجدت على الحال التي تهدد فيها لبنان، وها هي منذ آب 2006 تنتهك السيادة اللبنانية وتقتل لبنانيين وتعتقل آخرين ولا تقدم لنا الأمم المتحدة أو أحد سواها أي شيء يحمي أو يطمئن.
أما ما يتجاوز هذه الحقائق فإنه لن يكون إلا مناورة تثير الريبة، خصوصا أن مطالب رايس باتت معروفة وتتلخص في تأخير الحل الذي رسا عليه اتفاق الدوحة من غير رغبة أميركية، وافتعال المشاكل الأمنية استجابة لرغبة ولش بالصيف الساخن، وتأخير تشكيل الحكومة لمدة خمسة أسابيع على الأقل حتى تفرغ واشنطن من أمر المعاهدة الأمنية مع العراق، على أمل أن ترد رايس الجميل في أيلول المقبل.
لقد جاءت رايس لتشتري الوقت اللازم لها، بوعود تسرف في إغداقها على من اعتادت التلاعب بهم، وهي لن تعطي للبنان شيئاً ولن تحرر وعودها أرضا ولن تطلق أسيرا. فرايس يهمها أن تسقط شرعية المقاومة قبل أن تسقط الورقة اللبنانية من يدها ويهمها ألا تسقط هذه الورقة بذاتها قبل الانتخابات الرئاسية في الخريف المقبل وقبل التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع العراق، أما بعد ذلك فلا همّ لها ولا اهتمام منها بمن سيطالبها بوعد، والتاريخ شاهد على كيفية التزام الأميركي بوعوده.. فهل يقرأ البعض التاريخ ويصرف سمعه عن الإصغاء إلى الأميركي ويوفر على لبنان معاناة أشهر أربعة تريدها أميركا حاجة لسياستها؟ أم هل ينتظرون صفعة أخرى تلو الصفعة التي أنزلتهم من سقف الاستئثار إلى مسطح المشاركة؟