كتب أ. مجدي أحمد حسين
ولا نقول إنَّ أمريكا قد انتهت أو انهارت بالفعل، ولكننا في عام 2008 نقول بثقة إنَّ أمريكا هبطت درجة كبيرة على السلم، وأن العالم يشهد الآن تعددية حقيقية راسخة. ولا نرى أن سقوط أمريكا يمكن أن يحصل في لحظة واحدة كالاتحاد السوفيتي ، فأمريكا محصنة خلف المحيطات ، ولديها نظام مركزي قوى ، ولا توجد في اللحظة الراهنة ميول انشقاقية داخل المجتمع رغم تنوعه العرقي ، وإنما نتوقع استمرار تراجع القوة الأمريكية وانخفاض وزنها النسبي في المعدلة العالمية ، بمعدلات متسارعة ، بحيث تصبح إحدى القوى الدولية المؤثرة فحسب ، وهزيمتها في منطقتنا البترولية الإستراتيجية هي التي تعجل بوتيرة الهبوط ، لأن الهيمنة الأمريكية على معظم البلاد العربية هي أهم مظهر متبقي من مظاهر سيطرتها على العالم.
كتبت في 15 يوليو 2008 مقالا بعنوان :أبعاد الأزمة الاقتصادية الأمريكية عند بداية أزمة الائتمان العقاري ركزت فيه على حقيقة الانهيار الشامل للقوة الأمريكية ، وطالبت المثقفين العرب أن يكفوا عن ترديد أكذوبة ( انفراد أمريكا بالهيمنة على العالم )، وذكرت أن الانهيار الأمريكي حضاري وشامل وليس في مجال الاقتصاد فحسب وقلت إنَّ ذلك يتطلب سلسلة من المقالات ، وركزت في المقال السابق على البعد الاقتصادي ، وجرت الأحداث سريعا ، بحيث يفرض الاقتصاد الأمريكي وأزمته على العالم بأسره ، وهى زاوية رئيسية ، فكل قوة عظمى بنت أساس قوتها على الاقتصاد كقاعدة عامة ، فقوة الاقتصاد وازدهاره تضع الأساس للإنفاق على المجهود الحربي ، وتفتح الآفاق لمد السيطرة خارج السوق المحلى الذي يضيق أمام تفجر الإمكانيات الوطنية الاقتصادية .
وعندما يصيب العطب اقتصاد القوة العظمى فان أساس البنيان الاستعماري للهيمنة يتعرض للشروخ ثم الانهيار ، ويؤجل الأزمة لسنوات أو بعض العقود استخدام القوة العظمى لإمكانياتها العسكرية التي راكمتها في زمن العز لتعطيل حركة التاريخ وفي محاولة يائسة لاستدامة سيطرتها وأيضاً تستغل هيبتها المتراكمة التي ترهب الآخرين قياسا على تجارب الماضي القريب ، ومن خلال هذين الأسلوبين تظل تحقق القوة العظمى بعض المكاسب حينا من الدهر .
وهذا ما فعلته الولايات المتحدة بالدقة، فكما قلت فقد كان الخط البياني للقوة الأمريكية في هبوط منذ الحرب العالمية الثانية التي مثلت الذروة رغم أنها حافظت على مكانة معقولة حتى الستينيات من القرن الماضي بالتقاسم مع الاتحاد السوفيتي.
السقوط المفاجئ للاتحاد السوفيتي كان أشبه بقنبلة الدخان التي حجبت الرؤية فظن الأمريكيون وكثيرون غيرهم يتصورون أن القوة الأمريكية إلى صعود حاسم وطويل ، وهو مارفضته ( في مقالات عديدة بصحيفة الشعب المصرية في التسعينيات ) ورفضته العديد من الدراسات الجادة حتى في الولايات المتحدة الأمريكية .
في عام 2003 بدت الولايات المتحدة معزولة في العالم بأسره أثناء تحضيرها لغزو العراق ، حتى إنها اضطرت للاستعانة بالدعم السياسي لبعض الدول القومية في أوروبا كالدنمرك ، وسمتها أوروبا الجديدة . وأذكر أنني كتبت مقالا في ذلك الوقت بدا عنوانه عجيبا العجل الأمريكي وقع فهاتوا السكاكين ربما كان العنوان يبدو متعجلا ولكن بالمعنى التاريخي فان 5 سنوات لا تعد شيئا حتى في الجيل الواحد، وفى عام 2008 يبدو العنوان مفهوما ومنطقيا.
مع بداية القرن الواحد والعشرين كانت معالم الهبوط الأمريكي واضحة لكل دارس جاد ولكل عين فاحصة ، وكان واضحا للنخبة الأمريكية الحاكمة والمثقفة ، بل لعل هذا الإدراك كان من أهم دوافع غزو أفغانستان والعراق وطرح شعار العودة للاستعمار التقليدي تحت رايات الديمقراطية أو أي حجة فارغة كـأسلحة الدمار الشامل أو الإرهاب .
لقد حركت أمريكا آلتها العسكرية الرهيبة التي راكمت معداتها المتطورة في فترات العز لتؤكد هيمنها على العالم وتؤخر عقارب الساعة للوراء ، وقد كان غزو العراق أشبه بالانتحار . فآلة الحرب لا تكفي لستر عورة التراجع الحضاري ومن أهم مظاهره افتقاد الجندي والمواطن الأمريكي لدافع الحرب والتضحية بالنفس ، والآلات لا تحارب بنفسها ، رغم أن هذا التراجع الحضاري دفع الأمريكيين والإسرائيليين الصهاينة إلى استخدام التكنولوجيا بصورة تؤدى إلى الاستغناء عن دور المحارب المباشر تدريجيا ، فعرفنا الطائرة بدون طيار ، والروبوت الذي يتعامل مع المفخخات ، وقرأنا أبحاثا عن تصنيع أسلحة مصممة لتحارب بدون الإنسان ، ويحركها الإنسان من على بعد بالريموت كنترول .
لقد وصل بهم الجنون إلى حد تصور الدخول في حرب بدون خسارة جندي واحد. وقد ساهم في ترويج هذه الترهات رغم أنها ترتدي ثوب العلم والتكنولوجيا : حرب 1991 غير المتكافئة ضد العراق والتي لم تؤد إلى خسائر تذكر في المعسكر الأمريكي لأن التلاحم فيها كان قليلا للغاية .
ولكن هذه الحرب لم تحسم شيئا مما هيأ المسرح لحرب 2003 ، كذلك فقد ظل التعتيم يحيط بأسباب ما سمي أمراض حرب الخليج التي أصابت عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين ، حتى وان كان سبب ذلك استخدام ذخائر من اليورانيوم المنضب ، فهذا يؤكد أن حربا لا يموت فيها أحد هو وهم كبير ، بل هو من علامات الوهن الحضاري . فكل قوة عظمى في مرحلة الصعود لا تعير انتباها لخسائرها البشرية طالما أن مشروعها في تقدم . كذلك أدى السقوط السريع نسبيا لنظام طالبان في أفغانستان وبخسائر أمريكية لا تذكر اعتمادا على قوات تحالف الشمال والغارات الجوية الأمريكية الوحشية إلى ترويج فكرة النصر في الحروب بلا خسائر وعن طريق جيش صغير ولكن مجهز جيدا من الناحية التكنولوجية ( كتب وزير الدفاع الأمريكي الجهبذ رونالد راميسفيلد دراسة بهذا المعنى عقب سقوط كابل ).
ولا أنكر أن القوة المسلحة تؤخر تراجع القوة العظمى ، ولكن كان من الذكاء التلويح بالقوة دون استخدامها بالحد الأقصى ، أي استخدام العنصر الثاني وهو الهيبة ، وهو العنصر الأهم في كل المراحل خاصة في مرحلة الهبوط . فالقوة العظمى - حتى وهي في عنفوانها - التي تستخدم القوة كل يوم وتجاه كل بلد تستنزف نفسها سريعا ، وتستثير الجبهات والتحالفات ضدها ، وتفقد مصداقيتها الأخلاقية المزعومة ( كفكرة نشر السلام التي ترددها كل قوى عظمى استعمارية ) . وبالتالي فان أسلوب التهديد والوعيد والتلويح بالقوة دون استخدامها هو الأسلوب الأكثر نجاعة . وينطبق هذا بصورة أكبر عندما تكون القوة العظمى في مرحلة هبوط فهي تكثر من استخدام هيبتها لتحقيق مآربها، وتلوح بالقوة دون استخدامها بالحد الأقصى وتستخدم الوسائل غير العسكرية قدر الطاقة في الضغط على الخصوم ( سياسة أمريكا تجاه العراق من عام 1992 حتى 2003 كان مثالا نموذجيا لما نقول ) .
كان غزو العراق - بعد أفغانستان - في إطار خطة لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق مكاسب إستراتيجية واقتصادية وسياسية ، تستهدف قطع الطريق على المنافسة المتزايدة من القوى العالمية الأخرى خاصة روسيا والصين وأوروبا والنمور الآسيوية والصعود الإسلامي ومن ذلك استكمال الهيمنة على الخزان الرئيسي للنفط في العالم . وكانت النتيجة أن تحطمت أسنان الولايات المتحدة وفقدت هيبتها وأصبحت مضغة في أفواه العالمين بالإضافة لتزايد مشاعر الكراهية لها في أركان الأرض . وبعد ما كان مجرد ذكر اسم الجيش الأمريكي يثير الرهبة أصبح يثير السخرية وتجرأت عليه حركات المقاومة في كل مكان . أصيبت أمريكا بهزيمة في العراق حتى وان لم تنسحب منها بعد ، ورغم كل الارتباكات والانقسامات والفتن فى المجتمع العراقي ظل الخاسر الأكبر هو المعتدى الأمريكي لأنه ببساطة لم يحقق هدفا واحدا من أهدافه المعلنة والمضمرة للحرب . واليوم لم تعد الهزيمة في أفغانستان سرا ، بل أن كارزاى يطلب وساطة السعودية مع طالبان ، وأمريكا تبارك ذلك ، وقائد القوات الأمريكية في أفغانستان يتحدث عن مصاعب جمة في الميدان العسكري .
وروسيا الآن تفعل ما تريد في جورجيا ، وجورج بوش لا يملك إلا إصدار البيانات المستنكرة ( على طريقة الحكام ) تصدر بيانات الرفض ! والجيش الباكستاني يفتح النار على الطائرات الأمريكية ويسقط بالفعل طائرة تجسسية رغم أن النظام الباكستاني لا يزال صديق للولايات المتحدة ! وأمريكا تصدر بيانات الرفض ! والصومال كان من أهم النقاط المستهدفة في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر باعتباره أحد مراكز القاعدة ، وحدث العدوان الأثيوبي على الصومال باتفاق مع أمريكا بل وبتغطية جوية أمريكية وصلت إلى حد القصف الجوى في مرات عديدة ، فماذا كانت النتيجة ؟ المقاومة الصومالية عادت لتحرير المدن والمناطق الصومالية ، والقراصنة أمام سواحل الصومال أصبحوا أقوى من القوة العظمى الأمريكية في هذه المنطقة .
التلويح بضربة عسكرية للمشروع الإيراني أصبح تقريبا في خبر كان، ويجب أن يتعلم العرب مهما كان رأيهم في السياسة الإيرانية، كيف أدارت إيران أزماتها، وكيف أصبحت تمتلك قوة عسكرية تتردد الولايات المتحدة في استفزازها ؟ إيران قوية أمر ليس مطلوبا في الإستراتيجية الأمريكية ولكنه حدث رغم أنفها.
وسوريا كانت مرشحة عقب غزو العراق لتكون البلد التالي، بل صرح بذلك علنا مسئولون أمريكيون والآن فان أمريكا ليس لها إلا استرضاء سوريا، أما حكاية محاكمة الحريري فيبدو أنها دخلت في غياهب النسيان وكذلك الأمر فيما يتعلق بسياسة معاقبة سوريا .
ونذكر أن الذيل لأمريكا توني بلير كان قد صرح وهو رئيس وزراء بريطانيا بأنه يستعد لإرسال 4 آلاف جندي لدارفور، والآن ورغم المصاعب الجمة التي يتعرض لها السودان بسبب تركيبته الداخلية إلا أنه يرفض بكل ثقة التهديدات الأمريكية بمحاكمة الرئيس البشير ، ويتحرك ويسافر داخل القارة الأفريقية .
وأمريكا تصدر بيانات الرفض والاستنكار . القضاء على حماس والمقاومة الفلسطينية كان على قمة سلم أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة ، ورغم المصاعب التي تعانى منها غزة ، إلاًَّ أن هدف القضاء على حماس وحكومتها والمقاومة الفلسطينية ليس في متناول اليد الأمريكية رغم تواطؤ معظم حكام العرب معها .
والمقاومة اللبنانية كانت مطروحة للإبادة وكان مطروحا تحويل لبنان إلى قاعدة عسكرية أمريكية وكانت النتيجة أن الجيش الصهيوني هو الذي فقد هيبته .
تركيا رغم أنها ليست في حالة مواجهة مع الولايات المتحدة إلاَّ أنها تحتفظ بسياستها الاستقلالية في العديد من القضايا في المنطقة. أمريكا فقدت مشرف بل على وشك أن تفقد باكستان بدلا من استخدامها في القضاء على المقاومة الأفغانية وعلى وشك أن تفقد بنجلاديش. وحتى مملكة نيبال أصبح يحكمها ماويون ! ورأينا كيف تعاملت ماليزيا باستقلالية إبان الأزمة المالية الآسيوية وكيف رفضت الخطة الأمريكية وهى خطة صندوق النقد الدولي وسرعان ما تعافت اقتصاديا . وأخيرا ضربت السفارة الأمريكية في اليمن بعد سنوات من العمل الاستخباري الأمريكي بالتعاون مع السلطات اليمنية ضد تنظيم القاعدة .
ما التعاون الأمريكي مع الهند فهو نوع من الاعتراف الإجباري بدولة عظمى صاعدة، وليس كما يصورون أنه تحالف ضد الصين لأن الصين غير مشغولة بإحياء مشكلات الحدود مع الهند بل على العكس فان التعاون الاقتصادي الهندي الصيني في تصاعد.
روسيا استعادت عافيتها بصورة نهائية ، وليست أزمة جورجيا رغم أهميته في ذاتها إلا إعلانا عن مرحلة جديدة من الحرب الباردة سيكون شعار روسيا فيها استعادة الأرض والنفوذ التي فقدتها منذ 1991 حتى الآن ، ومن هنا تأتى أهمية تحالف شنغهاي فهو تحالف يضم دول وسط آسيا التي كانت قد تمردت على روسيا ، ويضم الصين ،وهذا التحالف يقدم نفسه كمحور لتكتل دولي ضد الولايات المتحدة، أما عن أمريكا اللاتينية فحدث ولا حرج فها هي قارة بأكملها تفلت من يد الهيمنة الأمريكية تباعا رغم أنها كانت تعامل كأشباه مستعمرات تدار من واشنطن . أما الآن فان سفراء أمريكا يطردون منها بالجملة ولا تملك هي إلا أن تفعل كما تفعل أصغر دولة في العالم: أن ترد بالمثل أي بطرد السفير اللاتيني !
وجاء الانهيار المالي الحالي الذي أدى إلى ضياع تريليون وربع تريليون دولار على حملة الأسهم الأمريكية في يوم واحد ليستكمل الصورة ، وان موافقة الكونجرس على خطة بوش للإنقاذ لا يعنى حل المشكلة ، فهي أشبه بالمسكنات التي تعالج ظواهر المرض دون علاج أسبابه الحقيقية . وبدون الدخول في تحليلات اقتصادية عويصة يمكن القول ببساطة أن الاقتصاد الأمريكي يعانى من مرض جوهري أنه يستهلك بأكثر مما ينتج وبأكثر مما يحصل على موارد حقيقية على المستويات الثلاثة : الحكومة والشركات والأفراد وهو الأمر الذي يؤدى إلى فجوة متزايدة الاتساع يتم سدها بالاستدانة ، وطبع كميات إضافية من الدولارات ، وهو الأمر الذي يؤدى إلى مزيد من اختلال التوازن واستمرار اتساع الهوة بين الوارد والمنصرف ، ويستمر المجتمع في دوامة آخذة في الدوران بعمق أكثر وسرعة أكبر نحو الهاوية ، والحل الحقيقي يكمن في ربط الأحزمة على البطون ، بتقليل الاستهلاك والنفقات العامة ، وزيادة الإنتاج ، وهو ما لا يقوى عليه مجتمع اعتاد الترف الاستهلاكي ويكاد يكون هو الهدف الوحيد لحياته ، وهذه سنة الله في خلقه ، وهذا هو أحد محاور دوران مشعل الحضارة من أمة إلى أمة . فالأمة التي تسيطر لفترة تعتاد على مستوى معين من الترف ولا تتمكن من الاستغناء عنه، وترفض تقديم تضحيات حقيقية من أي نوع سواء في ميدان الاستهلاك أو في ميدان الحروب، وبالتالي تخلى مكانها تدريجيا لأمة أو مجموعة أخرى من الأمم.
ولا نقول إنَّ أمريكا قد انتهت أو انهارت بالفعل، ولكننا في عام 2008 نقول بثقة إنَّ أمريكا هبطت درجة كبيرة على السلم، وأن العالم يشهد الآن تعددية حقيقية راسخة. ولا نرى أن سقوط أمريكا يمكن أن يحصل في لحظة واحدة كالاتحاد السوفيتي ، فأمريكا محصنة خلف المحيطات ، ولديها نظام مركزي قوى ، ولا توجد في اللحظة الراهنة ميول انشقاقية داخل المجتمع رغم تنوعه العرقي ، وإنما نتوقع استمرار تراجع القوة الأمريكية وانخفاض وزنها النسبي في المعدلة العالمية ، بمعدلات متسارعة ، بحيث تصبح إحدى القوى الدولية المؤثرة فحسب ، وهزيمتها في منطقتنا البترولية الإستراتيجية هي التي تعجل بوتيرة الهبوط ، لأن الهيمنة الأمريكية على معظم البلاد العربية هي أهم مظهر متبقي من مظاهر سيطرتها على العالم .
• الأمين العام لحزب العمل المصري.